قصة قصيرة: خبز بالزبدة

Guest Storyteller | Saudi Arabia | 25.10.2018

كان الدور مختلفًا جدًّا على عقلي، لذا رُحت أحاول إيجاد الروابط الفلسفيّة العجيبة ، تلك القادرة على تبرير وجودي خلف المجلى، أغسل  الأطباق بمطعم إيطالي في جزيرة على أطراف الكوكب.

 

الكلمات الآتية لحرم القلم لم تكن تقبل التأجيل، لذا كنت أكتبها على زندي كأسرع وآمَن طريقة لإنقاذ الكلمة من الضياع. شعرت بأن أحدًا يراقبني لأرفع بصري، لأشاهد مديرة المطعم الأربعينيّة، ذات الشعر القصير والملامح الجادة، وهي تنظر لي، أدخلت القلم في جيب قميصي وعُدت للعمل، أما هي فانتظرت حتى دخَلَت النادلة الصغيرة التي تعمل هنا نهاية الأسبوع، حاملة معها الصينيّة البيضاء الكبيرة التي  جمعت بها الأطباق المتّسخة من طاولات الزبائن٬ ثم قالت لي والنادلة تسمع:

 

. أرِني ساعدك -

 

هكذا قالتها بنبرة عسكرية صارمة، فما كان مني إلا أن شمّرت عنه لتشاهد الذي كتبته. أشاحت ببصرها، وقالت وهي تعود :

 

- من يخالف المعايير يضرّ بعملنا، لن نسمح بهذا مرة أخرى .

 

 و خرجت من الباب الكبير المؤدي لصالة الزبائن، و هي تتصل بهاتف الطباخ الذي تأخر على غير العادة.

 

كنت أفكّر -وأنا أضع الأطباق المتّسخة في آلة الغسيل ذات المقبض الصغير- أنّ الكتابة على زندي أثناء العمل  بمطعم فخم تصرّف غبيّ كان لا بد منه٬ فلا بد أن أنقذ الكلمة.

 

أثناء هذا الانهماك كانت النادلة تنظر بفضول يكاد يفيض من عينيها كالدموع. حملت الصينية بعد أن أفرغتها وقالت وهي تحاول تهذيب فضولها:

 

- ما كانت تلك اللغة التي كتبت بها؟ 

 

رسمتُ ابتسامة لئيمة، وقلت لها وأنا أنظر للأكوام التي لا تنتهي: 

 

- عليك معرفة هذا بنفسك .

 

فما كان منها إلا أن رسمت تعبيرًا ساخطًا على وجهها، وشمّرت عن زندها الأيسر لتُري عينيّ المذهولتين اسم (منال) موشومًا عليه أطلْتُ النظر للوشم فأرخَت الستار عليه، وضحكت لأني حينها كنت أيضًا أهرش رأسي بيدي المليئة بالصابون: 

 

- منال؟ 

 

- نعم. 

 

- كيف... أنت عربية؟ 

 

إلا أنّها ابتسمت بخبث، وقالت لتغيظني:

 

- عليك معرفة هذا بنفسك.

 

ثم أخذت الصينية وذهبت.

 

بعد قليل دخل مساعد الطباخ الإسباني الذي يسمّيني (حبيبي)، ككلمة كافية للتعبير عن معرفته بحضارتي، وبدأ يرتّب الأدوات ويتأكّد من المواد داخل البرّاد الزجاجي الكبير، الذي وضعت به اللحوم والخضار، وحينها دخل الطبّاخ رابطًا رأسه الأصلع تمامًا كالبيضة، وعلى كتفه الأيسر فوطة صغيرة، لا أدري إنّ كانت الفوطة صغيرة أم أنه كان عملاقًا، فأفسد هذا مقاسات الأشياء الحقيقيّة، وضع الحقيبة التي معه وأخرج منها جهازًا  صغيرًا٬ بدأ فيما بعد يصدح بصوت لويس آرمستروتغ٬ وهو يغنّي.

 

كنت أنظر للقرطين الكبيريْن اللذين وضعهما الطباخ. إنهما أشبه بخاتميْن يصنعان فتحتيْن مُجوّفتيْن كبيرتيْن بأذنيه. بالفراغ الكامن بأذنه٬ كنت أستطيع رؤية ضوء المصباح الكبير يمرّ عبره. بعد  الانتهاء من ترتيب عدّته التفت إليّ ، وكنت بعيدًا عنه ، وقال بصوت مرتفع وهو يهزّ رأسه: 

 

- هل يعجبك قرطاي؟ 

 

ضحكت ببلاهة وهززت رأسي، وعدت للعمل لأتجاوز إرباك المشهد وأخرج الشخصيات من ورطة الموقف.

 

كانت خطوات الطباخ تشبه الرقص وهو يدور بين المواقد يشعلها ، يُذكي لهب بعضها ويقلّل من جذوة آخر. وزّع أربع مقالي كبيرة عليها ، ثم صار يرمي بقطع الزبدة والبهارات عليها. لم أكن أفهم فنّه، لذا كانت مُراقبته متعةً ممزوجة بفضول. التفت خلفه وفتح البرّاد الكبير وبدأ يبحث عن شيء ما لم يجده، فأمر المساعد بغضب أن يأتي به بسرعة، إلا أنّ الأخير كان مشغولًا بشيء أهم، فما كان منه إلا أن أعطاني مفتاح المخزن، وطلب مني جلب العلبة الخضراء الكبيرة. ذهبت متذمّراً كوني غاسل صحون محترمًا، وتلكأت بالعودة كي أرتاح قليلًا.

 

حين دخلت المطبخ لم أجد الطبّاخ ولا المساعد. وضعت العلبة على طاولة التقطيع الرخامية ونظرت للمطبخ، وتخيّلت الأطباق التي ستعود إلى هنا مثخنة ببقايا الطعام والبقع العنيدة، ثم انتهت عيني على المقالي الكبيرة التي وضعها الطباخ على كتف الموقد. أخذتها وأنا حانق من كسله الذي منعه من وضعها على المجلى قبل أن يذهب. غسلتها بالماء الساخن والصابون لأزيل الدهون التي كوّنت طبقة سميكة عليها ، ثم أعدتها لمكانها  من جديد ، وذهبت لأرتاح بمخزن مواد التنظيف خلف المجلى.

 

كنت أفكّر بالنادلة ذات الوشم، أفكر بالشعور الغريب الذي اجتاح قلبي وعقلي وروحي، وأنا أقرأ الاسم وشمًا على فتاة شقراء في نيوزيلندا  تحديدًا في الحي الراقي بعاصمة الجزيرة الشماليّة ، حيث كنت أكتب على جسدي بلغتي السحريّة المنبعثة مثل الشمس.

 

بينما كنت أبحث عن إجابة عن حيرتي، كان الطبّاخ أيضًا يبحث عني. خرجت بعد أن سمعته يناديني ، وذهبت  إليه لأجده قد أمسك عُرى المقالي كلها بيديه، وهو يقول:

 

- أنت من غسلها؟

 

قلت وأنا أبحث عن بقعة لم تنظف لأفهم غضبه: 

 

- نعم .

 

وضع المقالي على الطاولة، وقال بسخط وهو ينظر إليها:

 

- عملك معي يجب أن يكون سهلاً جداً، فحين أطلب منك شيئاً تفعله و حين لا أطلب لا تفعل .هل فهمت؟ 

 

 ابتلعت كبريائي الذي لو تذوّقه أشره البشر لصام الدهر ، وقلت له:

 

-  فهمت .

 

وقفلت عائدًا لخط الجبهة ، حيث الكؤوس  ذات القبل الحمراء والورديّة على أطرافها، والأكواب المرسوم عليها أصابع الأطفال الصغيرة.  أتى  مساعد الطبّاخ المرِح دائمًا، وقال بعد سحب الكرسي الصغير  وجلس عليه: 

 

- حبيبي يبدو أنك صانع مشاكل بالفطرة .

 

كنت أنظر إليه بطرف عيني، وأنا أقول بملل :  

 

- هذا إرثي .

 

سمعته يهمس "جميل"، مما شجعني أن ألتفت إليه وأسأله :

 

- "أميقو"،  أخبرني لِمَ غضب الطبّاخ مني؟ لم أعرف الخطأ الذي اقترفته.  

 

نظر عميقًا في عينيّ وكأنه يبحث عن شيء ما، مما جعلني أحولّ لأفسد عليه بحثه، فضحك بسعادة غيرمتوقعة،  وقال لي:

 

- هناك  نوعان من الطبخ "يا حبيبي"، النوع الأول: الذي تسدّ به جوعك بطريقة مُرضية . وهناك النوع الثاني: الذي تدهش به حواسك لتعيش النشوة.  ونحن هنا نقوم بالنوع الثاني. 

 

أمال جسده نحوي وهو يتابع، قائلًا: 

 

- قبل قليل لم يكن الطباخ يعبث ، بل كان يزن النكهات التي يريدها على الأوعية، ليستطيع التحكّم بالطعم الأساسي للطبق. 

 

حين عرفت السبب فقدت الاهتمام بالتفاصيل فجأة، شعر هو بذلك لذا نهض وهو يقول لي بمرحه المعتاد: 

 

- ليس عليك معرفة كل شيء يا حبيبي، فقط حين تتوقف عن التفاعل مع كل شيء تصادفه بالحياة ! 

 

حين دقّت ساعة الراحة، كنت قد أنهيت غسل كل شيء بدافع الوسواس القهري لا حبّ العمل، نشّفت يديّ وخلعت المِئزر وخرجت لأدخّن  سيجارة بالزُّقاق الضيّق على يمين المطعم. جلست على صندوق  خشبي  وأشعلت سيجارتي، وسحبت نفسًا طويلًا وصرت أنفث الدخان كتنّين ابتلع البحر. بعد ثوانٍ دخل الطبّاخ إلى الزُّقاق، حيّاني بهزّة من رأسه وجلس جواري. كان يبحث في جيبه عن علبة الدخان بيأس٬ فما كان مني إلا أن أعطيته من سجائري.

 

- خذ جرّب هذه .

 

- ممتنٌّ لك .

 

 أشعلها وأخذ نفسًا قصيرًا متوجّسًا. حين انتصفت الجمرة  بجسد السيجارة، قلت له:

 

- أتحبّ القصص؟ 

 

 أجاب بِحيرة: 

 

- نعم...أعتقد هذا.

 

قلت له بعدما نظرت في عينيْه أبحث عن ذات الشيء الذي بحث  عنه المساعد الإسباني في عينيّ:

 

- كان هناك مهندس باريسي يعمل لخمس سنوات على مخطط كامل للبنية التحتيّة للمدينة، وكان يزور- كل مساء- المخبز الصغير بزاوية الحي الذي يسكنه، ليأخذ منه الخبز الناشف. وهكذا مرّت الأيّام ، حتى سألها ذات يوم  نفس الطلب ، فدخلت لتجلبه له ،  إلا أن الشعور المتراكم تجاهه بالشفقة جعلها تقرّر أن تعطيه هذا اليوم خبزًا بالزبدة. قطعت له قطعة كبيرة ساخنة ولفّتها بالورق، وفي عينيها وُلدت السعادة وهي تناولها  له.

 

توقّفتُ عن السرد ، وسحبتُ نفسًا وداعِيًّا للسيجارة، وأكملت بعد أن  رأيت الطبّاخ ينظر إليّ باهتمام.

 

- حين عاد المهندس لغرفته -حيث الأوراق الكبيرة البيضاء تغطّي كل جدرانها- خلع مِعطَفه، وأخرج قطعة الخبز وهو ينظر بتوحّد عظيم  للدفتر الكبير ذي الورق شبه الشفاف، الذي كان يرسم عليه -منذ سنين- مخطط المدينة ، وبدأ يمسح  بقطعة صغيرة من الخبز الورق، ليزيل -كما تعوّد- الرسوم التي لا يريدها٬ فالخبز الناشف كما تعلّم منذ سنين أفضل من الممحاة.  إلا أن الزبدة الكامنة بجوف الخبزة  أفسدت كل شيء حين لامست الورق وأزالت كل الرسوم والخطوط. 

 

صمت قليلًا، ثم قلت له، وأنا أنظر لنهاية الزُّقاق الذي يطل على مقطع عرضي للشارع العام، حيث الناس والسيارات المستعجلة:

 

. وأنا اليوم صنعت لك خبزًا بالزبدة -

 

حين نهضنا عائديْن لأدوارنا المتفق عليها بالداخل، قال لي:

 

- من أين أنت يا رفيقي؟ 

 

فأجبته بلؤم:

 

- اسأل منال .

 

في موقف الباص المزدحم، حيث ينتظر المتعبون حذاء يستطيع حمل كل خطواتهم، تفاجأت برؤية منال . حين  شاهدتني ابتسمت واقتربت لتقول لي بلا مقدمات:

 

- أنقذت حياة أمي وحياتي ممرضة اسمها منال .

 

وهكذا راحت تخبرني، كم تبدو الحياة عجيبة وغير متوقعة في عينين بلا أفكار مسبقة، والباص الكبير يرمي  بثقله على كوابحه ليقف أمامنا، والشعور الغريب الذي يُشرق كالشمس كلغتي يهمس أن الحرف الذي كـُتـِب   لينجو سيجد الكلمة التي نجت لتــُكتـَـب.

 

 

. إبراهيم الزنيدي كاتب شغوف من القصيم، السعودية

SHARE
SHARE

 


Editor’s Picks

  

Close

Email send successfully.
×