قِصة قصيرة: الأعين الثلاث

Guest Storyteller | United Arab Emirates | 28.10.2018

كل ما استعادت ريم وعيها ونظرت إلى يديها وجدت شيئاً لا ينتمي إليها، بقايا قهوة لم تحتسيها، طحين الخبز الذي لا تتذكر خَبزه، سكر ناعم من حلوى لا تطعمها في فمها، ومؤخراً قطرات دم وبقايا شعر. تهرع إلى المزرعة الصغيرة الملحقة بالبيت المهترئ لتكتشف أنها أودت بحياة إحدى أرانب أو قطط جدتها، فتسارع بلوم  كلاب الحراسة لتتهرب من العقوبة .

 

ولكن اليوم كانت يديها ملطخة بدم وشعرٍ آدمي لا محالة، ولكنها لا تتذكر لمن، وفشلت في إيجاد الضحية في المزرعة كلها ! بدأت الطفلة ذات السبعة أعوام بالشعور بالإرهاق، فأسندت رأسها على إحدى الأشجار واستظلت تحتها إلى أن غفت على تهويدة حفيفها.

 

 

...

 

استعادت ريم وعيها ووقفت وسط ذهول أقربائها. بشاعة المنظر لم تسنح لهم أي فرصة لاختلاق الأعذار أو تفسير الموقف بطريقةٍ أخرى. شقت القطرات الحمراء طريقها من كَفَّيْ ريم إلى ذراعها شيئاً فشيئا. أحكمت قبضتها اليُمنى على عُنُقِ أصغر الأرانب الذي لم تعد رجلاه تقاوم بعد. كيف له أن ينجو بعد أن ابتلعت مُفْتَرِسَتَهُ رأسه بالكامل، ولا زالت أسنانها تقطر بدمه عبر ابتسامتها؟

 

 

ناظرت ريم أختها مريم كأنها تسألها لماذا تنظرين إليَّ هكذا؟ تشجعت هي الأخرى وأجابت نظراتها بسؤالٍ يرتجف على شفا لسانها:

 

-  "لماذا؟"

 

ابتلعت ريم شيئاً ما ومسحت شفاهها بظهر يدها الأخرى ونطقت "هو فعلها أولاً" مشيرةً إلى كائنٍ يترصدهم في الظلام. هل هو ذئب؟ لا. كلب الحراسة؟ لم تتمكن من استشفاف ظِلِهِ وهو بعيدٌ عن مرمى الضوء ، ولكن مهما كان فهو الآن يقترب ببطء من وراء ريم ، التي لازالت تُشير إليه. يقترب المخلوق ذو القوائم الأربع وأحد الأرانب مقضوماً من منتصفه في فمه ، يدنو مراقصاً الظلام، يقترب بما فيه الكفاية لتلمع أعينه الثلاث على ضوء القمر.

 

...

 

استيقظت ريم من منامها وهي ترتجف. أخذت طرف ثوبها وبدأت تمسحُ العَرق من وجهها. لم يُجدِ ذلك نفعاً. كانت الملابس البيضاء التي ترتديها مبللة بعرقها، الكوابيس لا تتوقف، لا زال الذئب ذو الأعين الثلاث يزورها كل ليلة، يهمس لها بلغة لا يفهمها إلا هي وهو، يتشاركون وجباتهم، هو يفضل الأرانب، هي تفضل الأوادم. لا زالت الكثير من الأحداث مبهمة في ذاكرتها. هي لا تتذكر النوم أبداً، ولكنها لا تتوقف عن الاستيقاظ. هي لا تتذكر الخروج إلى الحديقة، ولكن بعد كل ظهيرة تجد ملابسها ملطخةٌ بالتراب. هي لا تتذكر قتل جدتها، ولكنهم وجدوها تغسل دمها من على يديها. هي لا تتذكر الهروب من المصح العقلي، ولكن ها هي تشاهده يحترق أمامها وهي في الخارج، مع صديقها ذو القوائم الأربع والأعين الثلاث.

 

 

. حصة البنفسج كاتبة اماراتية. لقراءة المزيد من كتاباتها انقر هنا

SHARE
SHARE

 


Editor’s Picks

  

Close

Email send successfully.
×